الشيخ محمد رشيد رضا
96
تفسير القرآن الحكيم ( تفسير المنار )
جمهور الأشعرية فيفضلون الأنبياء على الملائكة ، ووجه التفضيل أن السياق في رد غلوّ النصارى في المسيح إذ اتخذوه إلها ورفعوه عن مقام العبودية فالبلاغة في الرد عليهم تقتضي الترقي في الرد من الرفيع إلى الأرفع كما تقول ان فلانا التقي لا يستنكف عن تقبيل يده الوزير ولا الأمير . فإذا بدأت بذكر الأمير لم يعد لذكر الوزير مزية ولا فائدة ، بل يكون لغوا لأنه يندمج في الأول بالطريق الأولى . وقد بين ذلك الزمخشري وجزم به فتكلف بعضهم في الرد عليه وكان آخر شوط البيضاوي ان جعل غاية الآية تفضيل الملائكة المقربين على أولي العزم من المرسلين لا كل الملائكة على كل الأنبياء . وأما القاضي أحمد بن المنير فإنه بعد ان أطال في تقريره على الكشاف برد طريقة الترقي والتفصي من الاستدلال بها على تفضيل الملائكة المقربين ، على الأنبياء المرسلين ، عاد إلى الانصاف من نفسه ، وجزم بأن الآية تدل على تفضيل هؤلاء الملائكة في عظم الخلق والقدرة على الاعمال العظيمة وهو الذي يناسب الرد على من استكبروا خلق المسيح من غير أب وصدور بعض الآيات عنه فجعلوه إلها ، والملائكة خلقوا من غير أب ولا أم ويعملون ما هو أعظم من آيات المسيح فهم بهذا أفضل منه وأعظم ، ولكن هذا التفضيل في غير موضع الخلاف بين الأشعرية والمعتزلة وهو كثرة الثواب على الاعمال في الآخرة . والمنصف يرى أن التفاضل في هذا من الرجم بالغيب ، إذ لا يعلم الا بنص من الشارع ولا نص ، وليس للخلاف في هذه المسألة فائدة في إيمان ولا عمل ، ولكنه من توسيع مسافة التفرق بالمراء والجدل ، وَمَنْ يَسْتَنْكِفْ عَنْ عِبادَتِهِ وَيَسْتَكْبِرْ الاستكبار ان يجعل الانسان نفسه كبيرة فوق ما هي عليه غرورا واعجابا فيحملها بذلك عل غمط الحق سواء كان للّه أو لخلقه وعلى احتقار الناس . ومعنى الجملة : ومن يترفع عن عبادته أنفة ويتبرأ منها ، ويجعل نفسه كبيرة فيرى انه لا يليق بها التلبس بها فَسَيَحْشُرُهُمْ إِلَيْهِ جَمِيعاً أي فسيحشر هؤلاء المستنكفين والمستكبرين للجزاء ، مجتمعين مع غير المستكبرين والمستنكفين الذين ذكر بعضهم في أول الآية ، فان اللّه يحشر الخلق كلهم في صعيد واحد كما ورد . ثم يحاسبهم ويجزيهم عملهم كما يجزي غيرهم على النحو المبين في قوله